العقوبات الدولية وتأثيرها على حقوق الانسان

مايو 24, 2026, 1:37 م

أوضاع الجواري في العصر الأيوبي
(٥٦٩ - ٦٤٨ هـ / ١١٧٤ - ١٢٥٠ م)
أولاً: مقدمة
شهد العصر الأيوبي، الذي أسسه السلطان صلاح الدين الأيوبي في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي، نظاماً اجتماعياً معقداً تحتل فيه الجارية (الأَمَة) موقعاً محورياً متعدد الأبعاد. وقد تنوعت أوضاع الجواري بين القصور السلطانية والبيوت الأمراء والمنازل البرجوازية، وتفاوتت مكانتهن تبعاً للوظيفة والمهارة والمكانة لدى أسيادهن.

يتناول هذا التقرير الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والثقافية لأوضاع الجواري في الدولة الأيوبية، مستنداً إلى ما أوردته المصادر التاريخية من روايات وأخبار، ومحاولاً استجلاء واقع هذه الفئة ضمن السياق الحضاري الإسلامي لتلك الحقبة.
ثانياً: تعريف الجارية ومصادر الرق
١. تعريف الجارية
الجارية في اللغة العربية هي الأَمَة، وهي المرأة المملوكة بموجب سبب شرعي معترف به في الفقه الإسلامي الكلاسيكي. وقد تعددت التسميات فكانت تُدعى أيضاً بـ"الوصيفة" و"القَيْنَة" إن كانت مغنية، و"الظِّئر" إن كانت مرضعة، و"السُّرِّية" إن خُصصت لخدمة الحريم.
٢. مصادر الرق في العهد الأيوبي
تعددت مصادر دخول الجواري إلى المجتمع الأيوبي، وأبرزها:
◆ السبي في الحروب: وكان المصدر الرئيسي إبان الحروب الصليبية، إذ كانت أسيرات الحرب من النساء يُسترقَقن.
◆ التجارة: كانت أسواق النخاسة في القاهرة ودمشق وحلب تستورد الجواري من مناطق بلاد السودان والروم والأناضول وآسيا الوسطى.
◆ التوارث والهبة: كانت الجارية تنتقل إلى الورثة بالإرث، أو تُقدَّم هدية بين الأمراء والسلاطين.
◆ المولودة في بيت السيد: وهي الجارية التي وُلدت في ملك صاحبها وتُسمى أحياناً "بنت البيت".
ثالثاً: المكانة الاجتماعية للجواري
١. جواري القصور السلطانية
كانت القصور الأيوبية تضم أعداداً كبيرة من الجواري يتفاوتن في المكانة؛ فمنهن جواري الخدمة البسيطة المنوط بهن أعمال المنزل والحريم، ومنهن الجواري المُعلَّمات في الموسيقى والغناء والشعر واللغة. وقد بلغت بعضهن مكانة رفيعة بحيث أصبحن مستشارات للسلطان أو أمهات أولاد لهم نفوذ واسع.
٢. أم الولد ومكانتها الخاصة
تحتل "أم الولد" - وهي الجارية التي أنجبت لسيدها ولداً - مكانة استثنائية في الفقه الإسلامي والمجتمع الأيوبي على حدٍّ سواء. إذ لا يجوز لسيدها بيعها، وتنال حريتها تلقائياً بعد وفاته. وقد أنجب عدد من سلاطين الأيوبيين أبناء من أمهات أولاد أسهمن في تشكيل السياسات وربما التأثير في قرارات الدولة.

٣. القيان: جواري الفن والأدب
تميّزت فئة "القيان" (المغنيات) بمكانة اجتماعية خاصة؛ كنّ يُعلَّمن الغناء والعزف والشعر والأدب، وكانت قيمتهن التجارية أعلى بكثير من سواهن. ازدهر هذا الفن في المجالس الأدبية والموسيقية لدى الأمراء والأثرياء في القاهرة ودمشق، وقد خلّدت بعض أسمائهن المصادر التاريخية بوصفهن صاحبات موهبة فائقة.

: الدور الثقافي والحضاري للجواري
أسهمت الجواري المتعلمات في العصر الأيوبي إسهاماً لافتاً في الحياة الثقافية، إذ كنّ حلقة وصل بين مختلف الحضارات نظراً لتنوع أصولهن الجغرافية. وقد نقلن معهن موروثات موسيقية وأدبية وطبية من بلاد الروم وفارس والسودان، مما أثرى المشهد الثقافي الأيوبي بروافد متعددة.

وكانت بعض الجواري المُعلَّمات يُعِّلمن بدورهن أبناء السادة وبناتهم، مما جعل منهن ناقلات للمعرفة داخل القصور والبيوت الكبرى. وقد خلّد الشاعر ابن سناء الملك وغيره من شعراء العصر الأيوبي صوراً ووصفاً لجواري متميزات، مما يكشف عن مدى اندماجهن في النسيج الثقافي الرفيع.

الأصول الجغرافية وتنوعها
تميّز المجتمع الأيوبي بتنوع واسع في أصول جواريه؛ إذ كانت ترد على أسواقه جواري من مناطق شتى، يمكن إجمالها في الفئات التالية:
◆ الجواري الرومية: من بلاد الأناضول والأراضي البيزنطية، واشتُهرن بالجمال والفطنة.
◆ الجواري الفرنجية: من أسيرات الحروب الصليبية، وكانت أعدادهن تتصاعد في أوقات الانتصارات العسكرية.
◆ الجواري الزنجيات والنوبيات: من إفريقيا جنوب الصحراء، وكنّ يُوظَّفن في الخدمة المنزلية.
◆ الجواري التركيات والقوقازيات: اشتُهرن بالمهارة والذكاء وكنّ الأعلى قيمة غالباً.

ثامناً: جواري بارزات في التاريخ الأيوبي
أفرز العصر الأيوبي عدداً من الشخصيات النسائية الطارئات من صفوف الجواري إلى دوائر النفوذ والتأثير، ومن أبرزهن:

شجرة الدر
تُعدّ شجرة الدر النموذج الأبرز لصعود الجارية إلى أعلى مراتب السلطة؛ إذ كانت جارية تركية الأصل اشتراها السلطان الأيوبي الصالح نجم الدين أيوب وأُعجب بها حتى تزوجها. وبعد وفاته عام ١٢٤٩م تولّت شؤون الدولة فعلياً، وأصدرت المراسيم باسمها، ثم تزوجت من عز الدين أيبك لتؤسس معه السلطنة المملوكية، محوِّلةً بذلك مسار التاريخ السياسي للمنطقة.

جواري البيت الأيوبي المجهولات
تُشير المصادر كابن خلكان وابن الأثير والمقريزي إلى وجود جواري رفيعات الشأن في القصور الأيوبية أثّرن في تربية الأمراء وتنشئتهم، وإن لم تحفظ لنا المصادر أسماءهن كلها؛ مما يكشف عن الدور الخفي لهذه الفئة في تشكيل الحكام وتوجيه السياسات من وراء حجاب.