الدور السياسي للتاجر في بلاد الرافدين
الدور السياسي للتاجر في العراق القديم
لم تكن اللقاءات بين الملوك تتم وجهاً لوجه، بل كان الرسل والمبعوثون هم من يتنقلون وينقلون الأخبار بين الملوك والأمراء. وقد شكّل هؤلاء نقطة الوصل في وضع أسس الصداقة والسلام بينهم، ثم أصبحت هذه الجهود ممهدةً لعقد الاتفاقيات والمعاهدات بين مدن وممالك بلاد الرافدين من جهة، ودول الشرق الأدنى القديم من جهة أخرى. وقد مرت هذه الاتفاقيات والمعاهدات بمراحل هامة حتى وصلت إلى صيغتها النهائية.
إن سبل إقامة العلاقات الدولية وتنظيمها بين حكام وملوك العراق القديم وحكام دول الشرق الأدنى القديم كانت تتطلب وجود أشخاص ذوي مكانة وقدرات اجتماعية، وقد سُمي هؤلاء بـ "المبعوثين"، حيث لعبوا دوراً كبيراً في تنظيم العلاقات الدولية. وتُستقى مصادر المعلومات حول هؤلاء المبعوثين والسفراء بالدرجة الأولى من الملاحم والأساطير المتعلقة بالألف الثالث قبل الميلاد، وكذلك من الأرشيف الملكي لمدينتي ماري وتل العمارنة.
كان التجار يستخدمون وكلاء دائمين لهم في بعض المدن مثل آشور، ماري، وبابل، وكانوا يقومون بعمليات التجارة بالسلع في المراكز التجارية. وكان التجار يمثلون هؤلاء الوكلاء لدى الدولة، حيث يقومون بعمليات البيع والشراء لحسابهم الخاص، فضلاً عن قيامهم بأعمال تجارية لصالح القصر الملكي مقابل الحصول على قطع أراضٍ كـ "مكافأة" على خدماتهم بوصفهم وكلاء للقصر.
وخاصة بعد أن انتقلت التجارة إلى يد القصر بدلاً من المعبد، أصبح التاجر يعمل بتكليف من الملك، وأُطلق عليه لقب (maddatisar) وتعني "وكيل الملك للشؤون التجارية". وكان هؤلاء ينقلون الهدايا الثمينة من حاكم إلى آخر. وإلى جانب كل هذه المهام الاقتصادية المكلف بها التاجر، أُسندت إليه بعض المهام السياسية، منها عقد المعاهدات والاتفاقيات ذات الطابع التجاري نيابة عن الملك. وهناك دلالات كثيرة حول دور تجار الملك في التجارة، خاصة بين آشور وكبادوكيا، وذلك وفقاً للاتفاقيات التجارية الواردة في "رسائل كبادوكيا" بين ممثلي الحكومة الآشورية وحكام المدن الأناضولية التي كان التجار الآشوريون يرغبون في تأسيس نشاطهم التجاري فيها